في حمام النسوان …

في حمام النسوان …

شاكر نصرت

 

كأغلب بيوت بغداد القديمة أو كسائرها ، كنا نتمتع بحمامات السوق الشهيرة وقتذاك ، وأذكر أسم الحمام الذي كنا نذهب اليه ( حمام شبلاوي ) . كانت زيارة حمام السوق غالباً أسبوعية وكنا نحن الصغار نشعر بمتعة لا تدانيها متعة أخرى ونحن نرافق النسوة الى زيارة الحمام فكم تزحلقنا على رخام الحمام المغطى برغاوي الصابون ، وكنا نعمد الى لعبة لطيفة بأن نجلب طاسة الحمام أو أي وعاء عميق آخر ونغطيه بقطعة من ملابسنا نشد أطرافها الى الأسفل ثم ندعك سطحها بالصابون وبعد ذلك نتناوب نفخها بأفواهنا الطفولية من حافة الوعاء وإذا برغوة عالية تتصاعد من القماش يلون سطحها ألوان الطيف المختلفة وكان الفائز منا من تكون رغوته أعلى من رغاوي جماعته ، وتجلجل ضحكات الطفولة في أروقة الحمام ، لا ينفع معها زجر الأم والأخوات الكبيرات ، كنا نتمتع وبكل أحاسيسنا بالأشياء الصغيرة هناك ، بالضباب الذي يغلف سقف الحمام وجوانبه بفعل البخار ، بالضوء الذي يتسلل من طاقات الحمام الزجاجية الملونة ، وكم عمدنا الى بعض الحيل والمقالب نوقعها بالمستحمات فكنا نشكل من أنفسنا فرقاً تذهب كل فرقة الى ناحية من قاعة الحمام العمومية وعندما نرى أحدى النساء مشغولة بدعك رأسها بالصابون الذي غطى وجهها وأجبرها على إغماض عينيها ، كنا نعمد الى سرقة طاسة الماء من جانبها ونضع هذه الطاسات بعد تجميعها في وسط الحمام أو أحد أركانه وتمد المرأة يدها محاولة الأمساك بالطاسة فلا تجدها فتضطر أن تدعك عيناها وتمسحها من الصابون الذي يأبى إلا الدخول الى عينيها وعندما تكشف فقدان الطاسة .. يبدأ الصراخ والدُعاء بكسران رقبة الفاعل من هؤلاء ( المكاميع ) الذين سرقوا الطاسات ، وشتم ( أسليمات ) الي جابتهم ، وتسمع أمهاتنا الدعاء والكلام ويتلافينه بقولهنَّ ( اسم الله عليك وليدي ) وقُدام المُشتكيات يبدأنَّ أمهاتنا وأخواتنا الكبيرات بالصراخ علينا وشتمنا وشدُنا من شعر رؤسنا لكي نتهد ونقعد ( مثل الأوادم ) …

لقد طبعت تلك الصور الطفولية في مُخيلتي ولا أزال أشعر بالسرور عند تذكرها وتذكر ليلة الحمام التي كنا نستعد لها بفرح وإغتباط ، فكنا نحضر ( البقج الكريمستن ) الموشاة الامعة الألوان وفي داخلها ملابس الحمام النظيفة والمناشف والشرشف الأبيض الكبير الذي نفرشه على الدكة بعد خروجنا من الحمام لجلوسنا عليه ، ثم أغراض الحمام في وعاء معدني مُستدير كبير نسبياً ذو غطاء مزخرف ويعتبر هذا من الحاجات المهمة التي تخرج مع بقية جهاز العروس الى بيت زوجها . وكنا نضع في داخل هذا الوعاء الليفة وطاسة الحمام الصفراء اللامعة وكيس الحمام وصابون ابو الهيل والمشط الخشب والحجر الأسود لدلك اسفل القدم ، هذا الى جانب تحضير القباقيب الخشبية ، وتعتمد أمهاتنا على تحضير المأكولات التي سنتناولها هناك وفي الغالب تكون الفاكهة حسب الموسم .

بعد ان يتم تحضير كل هذه الأمور قبل يوم الحمام الذي نذهب اليه مبكراً تفادياً للأزدحام ونكون على شكل جماعات وقلما تذهب امرأة بمفردها إلا نادراً حيث ان الذهاب الى الحمام ليس للأستحمام فقط وإنما هو للمتعة وقضاء الوقت مع الصديقات ، وغالباً تتم قسمة الزواج من هناك عندما ترى الأم أو الأخت فتاة تروق لهم فتختارها عروسة لأبنها أو لأخيها ، والحمام بناية كبيرة عندما كنا ندخل فيه نرى صاحبة الحمام تجلس وراء طاولة صغيرة تستلم النقود وغالباً ما تكون امرأة لطيفة سمحة الوجه مكتنزة الجسم مرحة لا يكاد لسانها يرتاح في فمها .. وكنت دائماً اتخيل في المستقبل تكون لي زوجه مثلها ولها لسان مثل لسانها ، فهي تارة تسلم على زبونة وتسأل عن حالها وحال الأسرة ، وتارة أخرى تلقي بإرشاداتها للعاملات بالحمام ، وطوراً تراها في حديث هامس مع أحدى الزبونات تتلخص بأبداء رأيها بأحدى الفتيات أو بتناقل فضيحة معينة حصلت في بيت فُلان أو علان من الناس .

أما إذا نظرنا الى الحمام كبناء فهو عبارة عن قاعة فسيحة تتوسطها نافورة جميلة تعلوها دكة كبيرة تحيطها من كل جانب تجلس عليها النساء بعد انتهائهنَّ من الأستحمام وفي هذه الدكة تتوزع غرف صغيرة تؤجر للواتي يرغبنَّ في خلع ملابسهنَّ وحفظها فيها والائي لا يرغبنَّ في ذلك فبأمكانَهُنَّ خلع ملابسهن في القاعة الكبيرة ووضعها في بقجة مستقلة فوق الدكة ، وفي احدى الجوانب توجد غرفة صغيرة تدعى ( الجهنمية ) تدخلها من تريد ان تعرض جسمها للبخار الحار وافراز اكبر كمية ممكنة من التعرق ، اما سقف الحمام فقد كان ذو ريازة خاصة وزخارف جميلة تزينها الأقواس والزجاج الملون والطاقات الزجاجية التي ينفذ منها النور الى الحمام .

وبعد ان تنتهي المرأة من خلع ملابسها والخروج من الجهنمية تدخل بمعدات الحمام وتتهيأ للأستحمام ، وفي داخل الحمام توجد ( قمارات ) وهي غرف صغيرة غير مُسقفة ، فمن ترغب باستأجار ( قمارة ) للأستحمام وإلا فهناك قاعة الأستحمام العمومية وهي قاعة كبيرة جداً تتوزع فيها احواض صغيرة لكل حوض حنفية للماء الحار واخرى للماء البارد . وفي هذه القاعة كنا نرى مناظر كثيرة متنوعة فهناك امرأة او مجموعة نساء مع أطفالهن متحلقات حول كل حوض من الأحواض ، وهناك امرأة عجوز تحاول تغطية خيوط الزمن التي احترقت على رأسها وذلك بصبغها بالحناء ، والجدول القاني .. يسيل منها متحدراً على جسمها ومنساباً على ارض الحمام بعد ان تسكب الماء محاولة إزالة الحناء . وعلى مقربة منها امرأة ( نفساء ) حولها أمها وأخواتها يدهنَّ جسمها بعصارة بعض الأعشاب والحرمل والعسل وتتعمد أقواهن الى دعك جسمها بقوة وتدليكه لتعيد عظامها المفككة بسبب الولادة الى مكانها ، وأخرى غطت رأس النفساء بصفار البيض لتقوية شعرها ، وبعد عملية التدليك يعمدنَ الى شطف جسم النفساء ورأسها بالماء وكل واحدة تتمتم بكلمات لم نكن نفهمها تماماً ولكنها على ما أعتقد ( الدعاء بزيادة النسل وتكرار الوضع لأجل ربط الرَجُل وشدهُ الى زوجته وأطفاله لعدم التفكير بالزواج من امرأة أخرى ) ، وفي رُكن قاصي من الحمام امرأة أخرى

( مرضع ) وضعت رضيعها على صدرها بعد ان ازعجها بصراخه ، وغير بعيد عنها .. هناك على مجرى للماء او ساقية صغيرة ورفيعة تحيط بقاعة الحمام لتصريف المياه المستعملة ، تحمل امرأة طفلها بوضع خاص ( ليعملها ) وتعلمه كي يتعود على هذه العادة الحميدة ولا يعملها تحته ويوسخ نفسه ، ومن خلال تلك المناظر كلها كُنا نسمع أصوات الزغاريد تتعالى من أحدى القمارات لوجود عروس فيها وننشغل نحن الصغار كل واحد منا يريد ان يرى العروس فقد كُنا نتخيل ان للعروس شكلاً مميزاً جديراً بالمشاهدة ، ومع الزغاريد نسمع صوت شجار عالِ حول أحد الأحواض كاد ينقلب الى مبارزة بالطاسات وحوله النسوة ألاتي المتشاجرات الى ان تعمد صاحبة الحمام بالدخول بكل جلالها وهيبتها لتفظ النزاع . وبينما نكون مشغولين برؤية النزاع – نفاجيء بأحدى أخواتنا تشُدنا الى القمارة لغرض الأستحمام فنذهب مكرهين ونحاول التملص منها بأن نقسم بأغلظ الأيمان على إننا قادرين على غسل رؤسنا ولا بد لنظافتها بغسلها ثلاثة أدوار وكانت أمهاتنا تُراقبنا خوفاً من التحايل وإنقاص ( فم ) من الغسل وبالتالي يصبح حمامنا ناقصاً .

وبعد انتهاء عملية الأستحمام تأخذ النساء فترة راحة يتناولن خلالها الفواكه ويتبادلن الأحاديث الطلية حتى إذا طال الوقت قمن لشطف اجسامهن بالماء فمن ترغب بالدخول الى ( الخزينة ) ذهبت اليها ومن لم ترغب بقيت في القمارة ، اما الخزينة فهي حوض كبير مليء بالماء الساخن يتصاعد منه البخار بكثافة وهو عميق نسبياً بحيث تغطس فيه المرأة ولا يبان منها غير رأسها ، وبعد ان تبقى المرأة فيها فترة قصيرة تخرج منها عائدة الى القمارة حيث يؤتي لها بالمناشف الكبيرة تتلفع بها وتخرج الى قاعة الحمام ، ويعد على الدكة مفرش كبير ابيض وفي الغالب يكون موشى بالقصب ومغطى بالمناشف ايضاً حيث كنا نجلس جميعاً لغرض ارتداء ملابسنا ومن كان لا يزال يشعر بالجوع فقد كنا نرسل بجلب الكباب المشوي من السوق حيث يجتمع الأطفال والنسوة حول الأكل ثم يعقب ذلك اقداح شاي الدارسين اللذيذة نحتسيها بلذة وتمهل . فأذا انتهى كل ذلك لبست النساء ثيابهنَّ وألبسنَ أطفالهنَ ثم يجلسنَ فترة مع صاحبة الحمام للثرثرة الأخيرة وبعد ذلك يخرجنّ حاملات أدوات الحمام وبقجة الملابس المتسخة راجعات الى بيوتهنَّ .

وفي الختام لا يفوتني ذكر المثل العراقي (دولمة وحمام ؟) اي لا يصح الجمع بين صنع الدولمة والذهاب الى الحمام في يوم واحد لكون كلتا العمليتين تستغرق وقتاً طويلاً .

 

حمام العوافي لمن يتذكره في صِباه

 

شاهد أيضاً

إحذروا طريق الحرير

إحذروا طريق الحرير بقلم / هادي جلو مرعي س: شنو هذا طريق الحرير الخابصينا بي؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *