ابنتي الحبيبة .. إنني اصفح عنك

ابنتي الحبيبة .. إنني اصفح عنك

شاكر نصرت

 

بدأ المستشفى في هذا اليوم من آخر أيام شهر نيسان ، هدئاً لا شيء فيه يثير الإزعاج ، إلا انه كان هدوءاً أشبه بالهواء الساكن الذي يسبق العاصفة .. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساء ، عندما أسرع الطبيب إلى الغرفة رقم 9 ، وفتح الباب في هدوء ، واتجه إلى حيث رقد المصاب الذي نقل إلى المستشفى منذ ساعات ووضع السماعة على صدره فوق مكان القلب تماماً وراح يتنصت .. القلب ينبض قوياً ، ربما ببطء ، ولكنه ينبض .. لا شيء يوحي بأن الحياة قد توقفت داخل هذا الصدر المصاب بالرصاصات الثلاثة بعد إخراجها بالعملية الجراحية .

وأعاد الطبيب الغطاء فوق جسم المصاب وهم بترك الغرفة ، ولكنه ما لبث أن توقف عندما أحس بيد ضعيفة تمسك بطرف معطفه .. وتَطلعَ إلى وجه صاحبها .. كانت عيناه غارقتان في الدموع .

وبدأ يتكلم في صوت خافت متردد ( أرجوك يا دكتور .. أتوسل إليك أن تتصل بابنتي اسمها رجوه هاتفياً ، إنني أعيش وحدي وليس لي في هذه الدنيا سواها .. إنها كل أسرتي ! ) وعاد إليه الهدوء وشبح ابتسامة خافتة على وجهه الضعيف ، ولكن شفتيه كانتا ترتجفان ، ونبضه بدأ يسرع .. فقد كان يتعجل هذا اللقاء .

وقال الطبيب : ( بكل تأكيد يا سيدي .. سوف اتصل بابنتك فوراً ) .

وامسك بطرف الغطاء ، ومال بجسمه إلى الأمام ، وتمنى في هذه اللحظة لو انه استطاع أن يصل هو إلى التلفون ليقول لابنته انه يريد أن يراها .. وقال أخيراً : ( هل تتصل بها الآن يا دكتور .. أرجوك ) وتلاحقت أنفاسه سريعة .. سريعة جداً .

ومد الطبيب يده يربت بها على كتفه : ( بكل تأكيد ، بكل تأكيد .. كل ما ارجوه منك الآن تحاول أن تستريح .. ) وفي هدوء اطفأت الممرضة الضوء ، وبدا وكأنه يحاول أن يغمض عينيه ..

ولكن الممرضة لم تغادر الغرفة .. اتجهت في هدوء إلى النافذة .. ومن وراء الزجاج رأت الغيوم الباردة تغطي سماء الليل ، وفجأة تذكر شيئاً ، وأحست به وهو يتقلب في فراشه ، وجاءها صوته ضعيفاً متوسلاً ( هل تستطيعين أن تأتي لي بورقة وقلم ، ووضعت الممرضة يدها في جيبها وأخرجت قلمها وقطعة من الورق ، وضعتها على الطاولة الصغيرة بجوار فراشه .. ثم نظرت إليه وابتسمت وتركته وحده يستريح !

وسمعت صوتها أخيراً .. صوت ابنته بعد أن أعطاها الطبيب رقم تلفونها وطلب إليها أن تتصل بها ، وقالت :

( إني الممرضة يا سيدتي .. لقد نقل والدك إلى المستشفى قبل ساعات آثر إصابته بطلق ناري في صدره .. ) ولم تكمل الممرضة حديثها ، فقد قاطعتها الابنة وهي تصرخ : هل مات أبي ؟ انه لم يمت أليس كذلك .. أرجوكِ ! كان في صوتها توسل وكان فيه شيء آخر لم تفهمه الممرضة حتى هذه اللحظة .

لا إن والدك لم يمت يا سيدتي ، وهو يلقي كل رعاية !

– أرجوك لا تتركيه يموت .. لا تدعيه يفترق عني !

وارتعشت سماعة التلفون في يد الممرضة .. وهي تؤكد للابنة إن والدها بخير !

وعادت الابنة تكمل حديثها وهي تبكي : هناك شيء يجب أن أقوله لكِ ..

شيء هام جداً .. لقد تشاجرت مع أبي منذ أيام ، ولم أره طوال هذه الفترة الماضية .. كنت طوال هذا الوقت ارغب في العودة إليه واطلب منه أن يصفح عني .. ولكنني لم افعل .. هل تعرفين ماذا كانت آخر كلمة قلتها له قبل أن نفترق : (إنني أكرهك نعم أكرهك يا أبي) ثم تركت البيت لأقيم مع إحدى صديقاتي في الجامعة .

ولم تسمع الممرضة كلمة واحدة بعد هذا الحديث ، فقد راحت الابنة تجهش بالبكاء ثم انقطع الاتصال التلفوني ..

لا بد إنها في طريقها الآن إلى المستشفى ….

وعلى مقعد قريب ، جلست الممرضة تجفف دموعها .. لقد كانت تبكي هي الأخرى .. أب وابنته وليس لديهما في هذا العالم شخص ثالث ينتميان إليه أو ينتمي إليهما .. ووجدت نفسها بالرغم منها تفكر في أبيها هي الذي تفصله عنها مئات الأميال .. ترى متى كانت آخر مرة قالت له فيها : (إني احبك يا أبي ) وعادت إلى منديلها تجمع به دموعها التي كانت تسيل على وجهها دون أن تدري .

وقفزت من مقعدها واتجهت فوراً عائدة إلى الغرفة رقم 9 ، وأضاءت النور .. واقتربت من الفراش ، وأحست بقدميها تتسمران في الأرض .. إن الأب المسكين لا يتحرك .. لا يتنفس لقد توقف قلبه . وبلا شعور اقتربت الممرضة إلى وجهه ووضعت شفتيها فوق شفتيه وراحت تنفخ الهواء بقوة إلى رئتيه .. مرة ومرتين وعشر مرات .. ولكن قلبه بقي صامتاً هادئاً لا ينبض ..

وجاء الأطباء والممرضات والمعدات .. وبدأت المحاولات من جديد .. تدليك القلب .. والصدمات الكهربائية .. ولكن قلب الأب توقف تماماً .. لقد فارق الحياة وبدأ الجميع يغادرون الغرفة التي دخلوها منذ ساعة في وجوم .. وبقيت الممرضة التي تعرف قصة الأب مع ابنته تنظر إلى هذا الوجه الهادئ وهي تبكي .

وعندما تركت الغرفة .. لقيتها على بعد أمتار قصيرة من الباب ، وكان الطبيب يقف معها ثم تركها لتستند إلى الحائط وقد امتلأت عيناها الجريحتان بالدموع ، فلم تعد ترى ، ولم تعد تسمع .. وأمسكت الممرضة بيدها وقادتها إلى غرفة استراحة الممرضات .. وأجلستها على مقعد صغير .. ولكن أحداً لم يستطيع أن يخرجها عن صمتها .

وأخيراً تكلمت : ( لقد أحببته .. أحببت أبي كما لم أحب إنسانا في الدنيا .. ليته يعرف ذلك ، ليته يسمعني ).

ثم وقفت ، وقالت للممرضة : ( خذيني إليه أرجوك )

ولماذا المزيد من الألم ؟

وسارا معا عبر الممر الطويل إلى الغرفة 9 ودخلت الابنة واتجهت إلى الفراش الذي يرقد عليه الأب رقدته الأخيرة ودفنت وجهها في الغطاء الأبيض وراحت تبكي وتبكي ..

وفجأة اصطدمت يد الابنة بقصاصة صغيرة من الورق فوق الفراش .. ولفضتها .. إنها تعرف هذا الخط .. انه خط والدها .. وراحت تقرأها بعينيها الغارقتين في الدموع .. وإذا بها تقول :

( ابنتي الحبيبة .. إنني اصفح عنك .. وأرجو أن تصفحي أنت أيضاً عني .. أنا اعرف انك تحبينني ..

 

(أنا احبك .. احبك .. احبك ) .

 

وأمسكت بالورقة الصغيرة تقبلها .. ثم انحنت تلثم اليد التي خطت هذه الكلمات قبل ساعات قصيرة من رحلتها الأخيرة .

وعندما غادرت الغرفة مع جثمان والدها في الصباح ، سمعت صوتاً يقول :

( إنني احبك .. احبك يا أبي هل تسمعني؟ ) . وبدا لها وكأنها هي صاحبة هذا الصوت ! ونظرت حولها فوجدت الممرضة تتحدث إلى والدها في التليفون !

 

———————–

 

 

شاهد أيضاً

إحذروا طريق الحرير

إحذروا طريق الحرير بقلم / هادي جلو مرعي س: شنو هذا طريق الحرير الخابصينا بي؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *